القصة الحقيقية للقهوة التركية: كيف غير تاجران م...
0% 1 دقائق متبقية
تاريخ القهوة التركية
| |

القصة الحقيقية للقهوة التركية: كيف غير تاجران من الشام وجه إسطنبول (أكثر من مجرد كافيين)

1 دقيقة قراءة تم التحديث: ديسمبر 27, 2025

“القلب لا يريد القهوة ولا المقهى. القلب يريد الأنيس، والقهوة مجرد ذريعة (حجة).”

هذا المثل التركي الشهير يختصر الحكاية كلها. عندما نتحدث عن تاريخ القهوة التركية، نحن لا نتحدث عن مجرد حبوب بُن وماء مغلي. نحن نتحدث عن الدبلوماسية، التمرد، وما يمكن وصفه بـ “الفيسبوك” أو “تويتر” الخاص بالقرن السادس عشر. القهوة التركية كانت، ولا تزال منذ أكثر من 500 عام، الرابط الذي يجمع المجتمع، لدرجة أنها أُدرجت رسمياً ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي في عام 2013.

لكن كيف تحول هذا المشروب الداكن القادم من اليمن إلى ظاهرة عالمية دفعت بعض السلاطين لإصدار أحكام بالإعدام ضد شاربيها؟ دعونا نزيح الستار عن الأساطير ونغوص في الحقائق التاريخية المثيرة.

البداية: هدية من اليمن إلى السلطان سليمان القانوني

انسَ قليلاً أسطورة راعي الماعز الإثيوبي الراقص. التاريخ الموثق للقهوة التركية يبدأ فعلياً داخل أروقة الدولة العثمانية، وتحديداً في أربعينيات القرن السادس عشر. الرجل الذي ندين له بالفضل هو أوزدمير باشا، الوالي العثماني على اليمن.

لاحظ الباشا كيف كان السكان المحليون في اليمن يغلون كرز القهوة للبقاء مستيقظين أثناء الصلوات والذكر ليلاً. وانبهاراً بتأثيرها، حمل هذه الحبوب السحرية معه إلى بلاط السلطان سليمان القانوني في إسطنبول.

وفي مطابخ قصر توبكابي، حيث كانت تُبتكر أشهى الأطباق مثل دولمة الفلفل التركية الشهيرة، تم إتقان طريقة التحضير: تحميص الحبوب، طحنها ناعماً جداً، ثم غليها ببطء في ركوة نحاسية (Cezve) على رماد الفحم. كانت النتيجة مشروباً كثيفاً، برغوة غنية (الوجه)، ونكهة أقوى من أي شيء عرفوه سابقاً. ولم يمر وقت طويل حتى وقعت السلطانة هُرم (روكسلانا) في حب هذا الإكسير الجديد.

أول “شبكة تواصل اجتماعي”: حكم وشمس

بينما بقيت القهوة متعة نخبوية داخل القصر، حدث شيء ثوري في عام 1554 (أو 1555 وفقاً لبعض المصادر). وصل تاجران من بلاد الشام، وهما حكم من حلب وشمس من دمشق، إلى إسطنبول وافتتحا في حي “تهت كالي” (Tahtakale) أول مقهى في التاريخ.

كانت هذه لحظة فاصلة غيّرت قواعد اللعبة. قبل ذلك، كان الناس يجتمعون في المساجد أو المنازل. الآن، أصبح هناك مكان عام يجمع الشعراء، العلماء، ولاعبي الشطرنج والطاولة. عُرفت هذه الأماكن باسم Mekteb i İrfan أو “مدارس العرفان”. كان الناس يشربون القهوة، ويتجادلون في الأدب، والأهم من ذلك: يتبادلون الأخبار والسياسة.

لماذا حُظرت القهوة في الدولة العثمانية؟

مقهى تركي تقليدي يجسد التراث العثماني

حيثما يكثر الكلام، يكثر النقد. وهذا لم يعجب السلاطين دائماً. تحولت المقاهي بسرعة إلى مراكز للنقاش السياسي وانتقاد السلطة، مما جعلها “صداعاً” في رأس الدولة.

أشرس عدو للقهوة كان السلطان مراد الرابع (حكم 1623-1640). رأى في تجمع الرجال خطراً على سلطته، فكان رده قاسياً: حظر القهوة، التبغ، والكحول. تروي السجلات التاريخية أنه كان يتنكر بزي العامة ويتجول ليلاً في شوارع إسطنبول، ومن يُضبط وهو يحتسي القهوة كان يواجه عقوبة تصل إلى الإعدام.

لم تنتهِ هذه الجدلية إلا بفتوى ذكية من شيخ الإسلام بستان زاده محمد أفندي، الذي أقر بأن القهوة ليست حراماً، بل مفيدة ومستحبة، ووصل به الأمر لنظم شعر في مدحها، ليعود تجار القهوة للازدهار من جديد.

تصدير القهوة لأوروبا: كيف أيقظ الأتراك الغرب

من المفارقات أن أوروبا تدين بثقافة المقاهي للدولة العثمانية، تارة عبر التجارة وتارة عبر الحروب. تماماً كما نرى اليوم حركة نشطة في الاستيراد من تركيا إلى أوروبا، كان البن هو السلعة الأهم حينها:

  • البندقية (1615): نقل التجار البنادقة الحبوب لأول مرة إلى إيطاليا، وافتتح أول مقهى أوروبي هناك عام 1645.
  • لندن (الخمسينيات من القرن 17): قام تاجر عثماني يدعى باسكوا روزي بافتتاح أول كشك للقهوة في لندن.
  • باريس (1669): جعل السفير العثماني سليمان آغا شرب القهوة موضة في الأوساط الأرستقراطية الباريسية.

تفصيلة تاريخية طريفة: بعد فشل حصار فيينا الثاني عام 1683، ترك الجيش العثماني خلفه أكياساً من حبوب البن. ظن أهل فيينا في البداية أنها علف للجمال، لكن الضابط “كولتشتسكي” أدرك قيمتها، وأضاف إليها الحليب والعسل، مخترعاً بذلك مشروب “الميلانج” الفييني الشهير.

زراعة القهوة في تركيا: تحول حديث ومفاجئ

لفترة طويلة، كان مصطلح “القهوة التركية” يشير إلى طريقة التحضير فقط، بينما كانت الحبوب تأتي من اليمن أو لاحقاً من البرازيل (التي بدأت الزراعة عام 1727). البن البرازيلي (خاصة نوع ريو ميناس) أصبح المذاق المعتاد للأتراك.

ولكن الصورة تتغير اليوم. بفضل تغير المناخ وتقنيات الزراعة الحديثة، نجحت تركيا في زراعة القهوة محلياً. في المناطق الجنوبية مثل مرسين وأنطاليا، تجري مشاريع واعدة لإنتاج قهوة تركية من حبوب محلية 100%. قد لا تزال كميات محدودة مقارنة بإنتاج الأجبان التركية الضخمة، لكنها خطوة نحو الاكتفاء الذاتي.

طقوس لا تكتمل بدونها الحياة

القهوة في تركيا متجذرة بعمق في الطقوس الاجتماعية، من قراءة الفنجان (الفال) إلى طلب يد العروس. عندما تذهب عائلة العريس لخطبة الفتاة، يجب على العروس تقديم القهوة. والتقليد المعروف هو أن تضع الملح بدلاً من السكر في فنجان العريس. إذا شربه كاملاً دون أن يظهر انزعاجاً، فهذا يثبت صبره ومحبته لها.

سواء كنت تتجول في البازار الكبير بحثاً عن ركوة نحاسية أصلية، أو تجلس في منزلك تستمتع برائحة الهال، تذكر أنك تحمل بين يديك 500 عام من التاريخ. إنها ليست مجرد قهوة، إنها إرث ثقافي يربط الشرق بالغرب.

وبالهناء والشفاء، أو كما يقول الأتراك: Afiyet olsun!

موضوعات ذات صلة