أشعار يونس إمره: الحكمة الخالدة ودواء الروح في زمن الضياع (طبعة 2026)
Table of Contents
لماذا قد نهتم في عام 2026 بقراءة أبيات رجل عاش قبل أكثر من 700 عام في سهول الأناضول الوسطى؟ الإجابة صادمة في بساطتها: لأن يونس إمره لم يكن مجرد شاعر ينظم القوافي، بل كان “طبيباً للأرواح” (Tabib al Arwah). في عصرنا هذا، حيث فقدنا البوصلة وأصبحنا نغرق في طوفان من المشتتات الرقمية، تعمل كلماته كمنارة تعيدنا إلى الميناء الوحيد الآمن: الحب، التسامح، واكتشاف الذات.
يعد يونس إمره (حوالي 1240-1320) الصوت الأبرز في التراث الصوفي التركي. وبينما كان معاصروه يتفاخرون بالنظم بالفارسية أو العربية الفصحى المعقدة للنخبة، اختار يونس السباحة عكس التيار؛ اختار التركية البسيطة، لغة الشعب والدراويش. لقد أنزل الفلسفة العرفانية العالية من الأبراج العاجية إلى طرقات الأناضول المغبرة. كانت رسالته راديكالية حينها، ولا تزال ثورية اليوم: الطريق إلى الحق لا يمر عبر التعقيدات والدوغمائية، بل عبر قلب الإنسان.

ملاحظة من القلب حول هذه الترجمة
أكتب لكم هذه السطور من “إسكي شهير”، المدينة التي تحتضن ثرى يونس إمره الأخير (في قرية ساري كوي). وبصفتي عاشقة لفلسفته، أخذت على عاتقي مهمة نقل نبضاته إلى القارئ العربي. هذه ليست ترجمة أكاديمية جافة تقتل روح القصيدة بحرفيتها الميتة؛ بل هي محاولة لاقتناص الإيقاع والقلب النابض في رسالته.
استناداً إلى المراجع الموثقة من وزارة الثقافة، قمت بصياغة هذه الأبيات لتكون جسراً يعبر به القارئ الحديث إلى عمق التصوف دون أن يغرق في الرموز الغامضة. وكما أن مصانع السيراميك في تركيا تشكل الطين لتصنع الفن، شكل يونس الكلمات ليصنع الإنسان. النصوص مصحوبة برسوم توضيحية مستوحاة من رؤاه العرفانية.

1. غربة الروح
تذكرنا هذه القصيدة بأننا جميعاً عابرون في محطة انتظار، وأن “الوطن” الحقيقي ليس مكاناً جغرافياً، بل حالة وجودية.
نور الحق يملأ الأكوان، ظاهراً وباطناً،
لكن جوهره عن غفلة الزمان محجوب.
لا تفتش في الآفاق، انظر في أعماقك،
فالحقيقة في القلب دائماً هي الدليل والمطلوب.
عالم الغيب للعين لا يزال مستوراً،
فلتكن أعمالنا في الدنيا طاهرة بلا عيوب.
الغربة ثقيلة، كحجر على الصدر جاثم،
ومن رحل عن هذه الدار، لا يعود.
فلنكن أحباباً، نحلي مرارة العيش،
نتقاسم الأحمال حين نلتقي بالترحاب.
أحِب وأحبَب، واقدر شعاع الشمس،
فهذه الأرض ليست ملكاً لأحد، والكل غياب.
يونس ينادي بصوت يسمعه كل ذي لب،
كلمات تتردد، من نبع القلب مصبها:
عش بالعدل والإحسان على هذا الكوكب الدوار،
فلا أحد مخلد في وادي الفناء هذا.

2. قمر في القلب
حين أحني وجهي نحو التراب بتواضع،
أرى الهلال في السماء يسطع.
سواء كان شتاءً أو صيفاً، الروح للربيع تتوق،
فكل يوم عندي هو عيد للحياة يشرق.
لا سحاب يجرؤ أن يحجب النور،
ذلك الضياء القمري، والإرادة الساطعة.
من الثرى للثريا، وميض يستيقظ،
كنجوم تتراقص في ليلة مقمرة.
في محراب القلب يولد الضياء،
الذي يطرد الظلمة ولا يعرف الفناء.
كيف يمكن في هذا المقام، النقي الطاهر،
أن يبقى مكان للظلال أو اليأس العابر؟

3. العلم الحقيقي (أن تعرف نفسك)
هذه واحدة من أشهر قصائد يونس إمره (İlim İlim Bilmektir). إنها نقد لاذع للمعرفة المكتبية التي لا تقود إلى معرفة الذات.
العلم هو أن تفهم العالم،
لكن العلم الحقيقي هو أن تعرف نفسك.
إن كنت لا تدري من أنت في الجوهر،
فأي قيمة لعلم جمعته في كتبك؟
تقرأ وتدرس باحثاً عن اليقين،
لكنك بالكلمات فقط سجين.
إن قرأت ولم تتذوق المعنى بقلبك،
فعبثاً كانت رحلتك وجهدك.
لا تقل: “لقد قرأت، أنا عالم نحرير”،
إن لم يتوجه قلبك للحقيقة بلا تبرير.
إن لم تدرك الجوهر، ذلك النقاء،
تظل رحلتك صغيرة، محض هباء.
الكتب الأربعة المقدسة، بحكمتها ثقيلة،
لكن حرفاً واحداً من العشق يفوقها وزناً.
إن لم ترَ “الواحد” في الكثرة،
فقل لي بربك، لماذا تقرأ أصلاً؟
يونس إمره يخاطبك بصوت جهور:
“حج ألف مرة، عاماً تلو عام.
لكن إن سألتني: ماذا يحب الله أكثر؟
إنه القلب الذي يجبر خواطر الأنام.”

4. كيمياء الحب
اسمعوا جيداً يا رفاق، يا أحباب،
الحب هو المحرك الأزلي للأسباب.
القلب الذي لم يذق طعم العشق يوماً،
هو كحجر ميت في صحراء يباب.
ماذا ينبت في القلوب القاسية الباردة؟
كلمات قد تبدو ناعمة، لكن الغضب يتبعها.
همسة خافتة تتحول سريعاً لصراخ،
وشرارة واحدة تكفي لإشعال الحروب.
لكن الحب يصهر الأرواح كالشمع،
ويجعل الزهور تتفتح حتى في صقيع الشتاء.
وحدهم أصحاب القلوب المتحجرة،
لا يجدون طريقاً للنور والدفء أبداً.
من يفهم حكمة الله حقاً،
يصبح كالمحيط الذي لا ينفد.
عليك أن تغوص عميقاً، بعيداً،
لتظفر باللآلئ في بحر الأبدية.

5. وجدت في المقابر أمماً
تذكرة بالموت (Memento Mori)، تذكرنا بأن أطباق السلاطين الفاخرة وموائدهم لا تمنع عنهم المصير المحتوم. الجميع سواسية تحت التراب.
في المقابر وجدت شعوباً كانت تضج بالحياة،
أصحاب نفوذ وعز، سعوا للمجد.
أرواح شجاعة، قصص ذرتها الرياح،
حيث يمر النسيم الآن فوق شواهد القبور.
وزراء، معلمون، وأبطال الأمس،
الموت لا يفرق، مهما ظننت.
أيامهم الآن تغلفت بالظلام،
والقدر قد نفذ حكمه في الجميع.
كان طريقهم مستقيماً، لم يتخاذلوا،
وبالأقلام سطروا الشعر والبلاغة.
كالعنادل كان غناؤهم يصدح،
والآن هم صامتون في الممرات الضيقة.
خيول أثارت الغبار، وأبواق دوت،
وبالطبول ساروا إلى ساحات الوغى.
يوماً ما انحنى لهم البر والبحر،
والآن صارت قوتهم أسطورة فارغة.
اقرأ أيضاً: أشعار ناظم حكمت: حياة وأعمال الرومانسي الشيوعي

6. كتاب الجسد
دخلنا مملكة الفهم والإدراك،
وعرفنا أسرار المسير على الأرض.
السماء تدور، والأرض طبقات،
وتحت آلاف الحجب وجدنا النور.
الليل والنهار، وحركة الأفلاك،
والكلمات المقدسة التي تكشفت.
رحلة موسى، وعظمة الهيكل،
وكل ما سيصدح به بوق إسرافيل،
كل هذه الحكمة، الصادقة النقية،
وجدناها مطوية داخل الجسد، في الكينونة البشرية.
التوراة، الزبور، أو آيات القرآن،
معناها العميق ليس في الإكراه.
حقائقها، بلا قشور أو زينة،
اكتشفناها في “الإنسان”، لا في الأوراق.
7. لغة الـ 72 ملة
دعونا ننصت لصمت الحمام،
حين تهمس أرواحها بالحكمة.
لقد فهمنا، دون سماع كلمة واحدة،
فالفهم الحقيقي لا يدمره أحد.
عانقنا الحب، وصرنا عشاقاً،
في كل لحظة فانية.
الله قسم الشعوب إلى اثنتين وسبعين لسان،
لكننا في “الحب” حققنا الوحدة.
يونس المتواضع يملأ الأرض والهواء،
كعبق زهرة يفوح شذاها.
تحت كل حجر، ينتظر النور،
والحقيقة أبداً لا تكذب.
8. ما وراء الطقوس
قوانيننا كُتبت بمداد آخر،
لا دوغما تستطيع طرد محبتنا.
نحن لا ننقسم إلى طوائف ومتشددين،
نحن ننتظر أن تتجلى الحقيقة.
حتى بلا ماء للوضوء الظاهري،
لا نحتاج لأيدٍ وأرجل.
فصلاتنا هي رنين داخلي،
وتسبيح صامت أبدي.
سواء الكعبة، أو المسجد، أو الخلوة،
كلٌ يسير في دربه.
من هو من؟ من المحق؟ من المخطئ؟
غداً سنرى من كان في حيرة.
يا يونس، جدد روحك في الحال،
واحفظ الأصدقاء في القلب كنسيم عليل.
أدرك القوة التي تسكن فيك،
واسمع همس الحب الجميل.
9. نهر التوحيد
من نبع الحقيقة شربنا صفواً،
وهتفنا بذهول: الله أكبر.
على محيط القدرة جدفنا بقوة،
وبالعزيمة وصلنا لبر الأمان.
ما وراء التلال، والغابات والسهول،
نتعلم كيف نثق بالمدد الإلهي.
رحلتنا مباركة، خطوة بخطوة،
نحمل معنا ثناء الخالق.
كنهر شكلنا السهول بمسيرنا،
وتدفقنا إلى البحر حيث تتلاطم الأمواج.
ثم في فيض، كالمطر الغزير،
توحدنا وصرنا واحداً مع البحر الكبير.
كخادم على باب “تابتوك” يقف هنا،
يونس الفقير، في طريقه إليك.
كان يوماً نيئاً، والآن قد “نضج” وصفا،
وفي الكمال سُمح له أخيراً أن يكون.
بينما تستكشف جماليات الروح مع يونس إمره، قد ترغب أيضاً في استكشاف جماليات تركيا الحسية، من مطاعم بورصة التاريخية القريبة من ضريح الشاعر، إلى روائع الفن والعمارة التي تملأ الأناضول.








