القدس في العهد العثماني: رحلة عبر 400 عام من ال...
0% 1 دقائق متبقية
Jerusalem under the ottoman rule

القدس في العهد العثماني: رحلة عبر 400 عام من التاريخ والعمارة والحياة اليومية

1 دقيقة قراءة تم التحديث: ديسمبر 28, 2025

لقرابة أربعة قرون، وتحديداً بين عامي 1517 و1917 (مع انقطاع قصير في ثلاثينيات القرن التاسع عشر)، كانت القدس جوهرة في التاج العثماني. هذه الحقبة الطويلة لم تكن مجرد حكم سياسي، بل كانت عملية نحت مستمرة لمعالم المدينة، حيث تركت الدولة العثمانية بصمتها العميقة على العمارة، والسياسات الإدارية، وتفاصيل الحياة اليومية التي لا تزال آثارها ماثلة أمامنا اليوم.

في هذا البحث، حاولت أن أجمع شتات التاريخ لأقدم صورة شاملة قدر الإمكان عن الحياة في القدس آنذاك، مبتعداً عن السرد الجاف ومقترباً من نبض الشارع والحجر.

القدس تحت الحكم العثماني - مشهد عام

مقدمة: لماذا العهد العثماني؟

بصفتي باحثاً شغوفاً بالتاريخ، لطالما سحرتني الفترة العثمانية في القدس. أنا عبد الله، محب للتاريخ العثماني، وقد قررت مؤخراً الغوص في أعماق القدس العثمانية لكشف خباياها.

من خلال دراسة العديد من المراجع والكتب التاريخية والمخطوطات، وجدت أن العثمانيين تركوا إرثاً لا يُصدق خلال حكمهم الذي امتد من 1516 حتى 1917. دعوني أشارككم أبرز ما وجدته في رحلتي الاستكشافية هذه، بعيداً عن الأرقام الجامدة.

حاولت في بحثي الإجابة على الأسئلة الجوهرية التالية:

  • كيف كانت تبدو الحياة اليومية للمواطن المقدسي في ذلك العهد؟
  • ماذا بنى العثمانيون في القدس (وما زال باقياً حتى اليوم)؟
  • كيف كانت حقوق غير المسلمين وتنظيم شؤونهم تحت الحكم العثماني؟
  • ما هي البصمة الخاصة التي تركها كل سلطان عثماني في المدينة؟

وأخيراً، حاولت تخيل وسرد قصص حية للناس الذين عاشوا وتنفسوا هواء القدس تحت الحكم العثماني.

منظر بانورامي للقدس في العهد العثماني

الخدمات العامة، الديموغرافيا والاقتصاد: وجه المدينة الحديث

شهد القرن التاسع عشر تحركات جدية من الدولة العثمانية لتحديث القدس، كاستجابة للتحديات المتزايدة المتمثلة في النفوذ الأوروبي والتغيرات السكانية المتسارعة.

الخدمات البلدية والبنية التحتية

في عام 1863، تأسست بلدية القدس، وكانت خطوة محورية ركزت على تحسين البنية التحتية للمدينة بشكل جذري:

  • إدخال خدمات النظافة، وتطوير شبكات الصرف الصحي، ورصف الطرق، وإنارة الشوارع.
  • تنفيذ مشاريع تشجير وتجميل للمدينة.
  • افتتاح المستشفى البلدي في عام 1891 لتقديم الرعاية الصحية.
  • تأسيس جهاز شرطة محلي في عام 1886 لحفظ الأمن.

لم يقتصر الأمر على الخدمات الأساسية، بل امتد ليشمل الجانب الثقافي بإنشاء متحف القدس ومسارح عرضت فنوناً تركية وعربية وفرنسية.

التحولات السكانية (الديموغرافيا)

شهد القرن التاسع عشر نمواً سكانياً ملحوظاً في القدس. تشير الإحصاءات إلى أنه في عام 1849، كان عدد السكان حوالي 11,700 نسمة (6,184 مسلماً، 3,744 مسيحياً، و1,790 يهودياً).

بحلول عام 1870، ارتفع العدد إلى 20,000 نسمة. وفي عام 1890، قفز الرقم ليتجاوز 40,000 نسمة، مع زيادة ملحوظة في أعداد اليهود.

ومع حلول عام 1900، تشير التقديرات إلى أن عدد السكان وصل إلى 55,000 نسمة، موزعين بين المسلمين والمسيحيين واليهود، مما يعكس حيوية المدينة وجذبها للسكان.

الواقع الاقتصادي

لم تكن القدس مركزاً تجارياً ضخماً بالمعنى التقليدي لافتقارها للأراضي الزراعية الواسعة والصناعات الثقيلة، لكن مكانتها الدينية جعلت من الحج والسياحة محركاً أساسياً للاقتصاد.

  • ازدهرت صناعات مثل النسيج، والدباغة، وصناعة الصابون، وتشغيل المعادن. وهذه الأخيرة تذكرنا بأهمية صناعات المعادن والحديد التي لا تزال تركيا تتميز بها حتى اليوم.
  • كانت الصادرات تتجه نحو مصر، ورودس، ودوبروفنيك. بينما تأتي الواردات من مصر، وسوريا، وإسطنبول، والعراق، والصين. اليوم، تطورت حركة التجارة هذه بشكل هائل، ويمكنك رؤية ذلك في أهم الموانئ التجارية التي تربط المنطقة بالعالم.
  • ولّد الحج والسياحة طلباً كبيراً على الهدايا التذكارية، حيث نشط أكثر من 700 حرفي في الأسواق خلال القرن التاسع عشر.
  • شكلت مخصصات “الصرة” (Surre) التي كانت ترسل من إسطنبول ومصر مصدراً مهماً للدخل ودعم فقراء المدينة.
القدس العثمانية: القباب والمآذن

المواصلات والاتصالات

شهد القرن التاسع عشر ثورة في وسائل الاتصال والمواصلات ربطت القدس بالعالم:

  • وصل التلغراف إلى القدس عام 1865.
  • افتتاح طريق يافا القدس المعبد للعربات عام 1868.
  • تشغيل خط سكة حديد يافا القدس الشهير عام 1892.

التعليم والثقافة

  • عانت بعض المدارس التقليدية من التراجع بسبب ضعف موارد الأوقاف بعد القرن الثامن عشر.
  • لعبت الزوايا الصوفية والتكايا دوراً مكملاً في التعليم الديني.
  • نقطة التحول: شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر طفرة في إنشاء المدارس الحكومية الحديثة (الرشدية) والمدارس الإرسالية، مواكبة لخطط التحديث في الدولة.

خريطة عثمانية نادرة للقدس (1861)

تظهر هذه الوثيقة التاريخية خريطة عثمانية للقدس تعود لعام 1861، توضح تفاصيل المدينة داخل الأسوار وبعض الامتدادات في الضواحي.

خريطة عثمانية قديمة للقدس

سلاطين بني عثمان في القدس: 1517-1917

عاشت القدس تحت الحكم العثماني فترة استقرار طويلة نادرة امتدت لأكثر من 400 عام. خلال هذه القرون، ساهم العديد من السلاطين في تطوير المدينة:

1. السلطان ياووز سليم (سليم الأول):

  • 1517: دخول القدس تحت الحكم العثماني بعد معركة مرج دابق وضم الشام.
  • زيارته التاريخية للمسجد الأقصى وإعطاء وعود بالإصلاح الاقتصادي.
  • تنظيم زيارات المسيحيين للقدس عبر اتفاقيات دبلوماسية.

2. السلطان سليمان القانوني (المحتشم): 1520-1566

  • هو “المعماري الثاني” للقدس؛ أمر ببناء سور القدس العظيم الحالي وترميم القلعة.
  • ترميمات شاملة في الحرم القدسي الشريف (المسجد الأقصى وقبة الصخرة).
  • تجديد بلاط قبة السلسلة وافتتاح بوابات جديدة.
  • بناء “تكية خاصكي سلطان” الشهيرة لزوجته خرم سلطان (روكسلانا) لإطعام الفقراء.
  • تأمين طريق الحج والتجارة بين القدس ويافا.
سور القدس العثماني

3. السلطان مراد الرابع: 1623-1640

  • تميزت فترته بضبط الأمن ومواجهة التحديات الداخلية واضطرابات الولاة المحليين.
  • بناء قلعة وحصن على طريق القدس الخليل لتأمين المدينة من قطاع الطرق.
  • تزويد القلاع بالحاميات العسكرية (الدزدار) لضمان الاستقرار.

4. السلطان عبد المجيد: 1839-1861

  • مول وأمر بترميمات واسعة للمسجد الأقصى.
  • بدء توسع المدينة خارج الأسوار القديمة لأول مرة منذ قرون، وتحديداً بعد عام 1858.
قبة السلسلة

5. السلطان عبد العزيز: 1861-1876

  • شهد عهده تطويراً كبيراً للطرق والأسواق التجارية.
  • رصف شوارع القدس بالحجر الجيري والمزيكو.
  • إنفاق مبالغ طائلة لترميم وزخرفة المسجد الأقصى وبناء المسجد العمري.
  • 1892: (في عهد خلفه عبد الحميد الثاني) اكتمال خط سكة حديد يافا القدس، وهو مشروع بدأ التخطيط له مبكراً.
زقاق خلفي في القدس العثمانية

6. السلطان عبد الحميد الثاني: 1876-1909

  • تطوير هائل للبنية التحتية وربط القدس بالعالم عبر التلغراف والسكك الحديدية.
  • بناء برج الساعة الشهير عند باب الخليل (أزيل لاحقاً في عهد الانتداب).
  • ربط القدس بشكل مباشر بالعاصمة إسطنبول (كدولة مستقلة إدارياً – المتصرفية) لحمايتها من الأطماع الاستعمارية.
محطة قطار القدس العثمانية

تغيير المشهد الحضري: بصمات من الحجر

ترك العثمانيون بصمات درامية على مشهد القدس من خلال مشاريع بناء عملاقة لا تزال تحدد هوية المدينة اليوم.

الأسوار: درع المدينة المقدس

أعظم وأبرز هيكل عثماني هو سور القدس الأيقوني. أمر السلطان سليمان القانوني ببنائه بين عامي 1536 و1540. يمتد السور لأكثر من 4 كيلومترات (وليس 5 كم كما يشاع أحياناً)، ويحيط بالبلدة القديمة.

يتميز السور بـ 34 برج مراقبة و7 بوابات مفتوحة، بارتفاع يصل إلى 12 متراً وسماكة تصل إلى 3 أمتار في بعض المناطق. هذا الحصن المنيع حمى القدس لقرون وأعطاها شكلها الذي نعرفه اليوم.

منظر عام لمدينة القدس وأسوارها

الرعاية المعمارية كرمز للقوة

سعى الحكام العثمانيون لترسيخ شرعيتهم من خلال العمارة والخدمات العامة. ومن أبرز المعالم التي شيدوها:

  • سبيل السلطان سليمان (1527): لتوفير المياه للسكان والحجاج قرب الحرم القدسي.
  • تكية خاصكي سلطان (1551): مجمع ضخم ضم مسجداً، ومدرسة، ونزلاً للمسافرين، ومطبخاً عاماً يطعم الفقراء (وهو تقليد مستمر حتى اليوم).
  • نظام مائي معقد من القنوات والبرك (مثل بركة السلطان) لضمان الأمن المائي للمدينة.

المباني المدنية والرفاهية

مع نمو القدس في أواخر العهد العثماني، تطورت المرافق لتشبه المدن الأوروبية الحديثة:

  • تأسيس المجلس البلدي عام 1863 الذي أدخل التنظيم المدني الحديث.
  • انتشار المدارس والمستشفيات ومراكز الشرطة والإطفاء منذ ستينيات القرن التاسع عشر.
  • دخول البريد والتلغراف والهاتف، مما ربط القدس بالعالم الخارجي بسرعة غير مسبوقة.

إدارة الفسيفساء المقدس: التعايش الديني

كان حكم القدس يتطلب توازناً دقيقاً بين مختلف الأديان والطوائف التي تعتبر المدينة مقدسة لها.

نظام الملل والحقوق

نظم العثمانيون شؤون الأقليات الدينية عبر “نظام المِلل” (Millet System)، حيث مُنحت الطوائف الأرثوذكسية والأرمنية واليهودية حكماً ذاتياً في شؤونها الدينية والمدنية (كالزواج والميراث) تحت قيادة زعمائهم الروحيين.

شملت الامتيازات الإعفاء من الخدمة العسكرية مقابل دفع ضريبة البدل (قبل أن تتغير القوانين لاحقاً)، مع وجود تنظيمات تحكم بناء دور العبادة الجديدة.

يهود يصلون بجوار حائط البراق في القدس العثمانية

إدارة العلاقات المتعددة الأديان

رغم التوترات العرضية، سعت السياسة العثمانية للحفاظ على الاستقرار:

  • توفير حراسة عسكرية لقوافل الحجاج لضمان سلامتهم.
  • تنظيم أوقات الصلاة والزيارة في كنيسة القيامة بين الطوائف المسيحية المختلفة لتقليل النزاعات (الستاتيكو).
  • الفصل في النزاعات حول الأماكن المقدسة عبر الفرمانات السلطانية.
بركة حزقيا أو بركة البطاركة
بركة حزقيا أو بركة البطاركة، تقع في الحي المسيحي بالبلدة القديمة

التوازنات الدولية

منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، بدأت القنصليات الأوروبية تفتح أبوابها في القدس، مما زاد من التدخل الأجنبي بحجة حماية الأقليات. ردت الدولة العثمانية بإجراءات مركزية، منها جعل القدس تابعة مباشرة لإسطنبول (متصرفية القدس الشريف) بعد عام 1872 للحد من هذا النفوذ.

زيارة الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني للقدس
الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني يزور القدس عام 1898

الحياة اليومية للمقدسيين العثمانيين (قصص متخيلة)

بناءً على قراءاتي وبحثي، حاولت رسم صورة حية للحياة اليومية في القدس العثمانية من خلال عيون ثلاث شخصيات افتراضية تمثل نسيج المدينة.

(ملاحظة: هذه القصص مستوحاة من الواقع التاريخي لتقريب الصورة، لكن الشخصيات خيالية).


يوم في حياة يوسف (مسلم):

أنا يوسف. يبدأ يومي قبل شروق الشمس مع صوت المؤذن العذب يصدح من مآذن المسجد الأقصى. بعد صلاة الفجر وتناول وجبة خفيفة مع العائلة، أمشي عبر أزقة البلدة القديمة الحجرية.

في طريقي للدكان، أمر بحارس عثماني (الجندرمة) يجوب الشوارع، وجوده يبعث الطمأنينة ويمنع أي شغب، مما يسمح لنا بممارسة تجارتنا بسلام.

في دكاني للأقمشة بالسوق المزدحم، أعرض الحرير الفارسي الملون والقطن المصري. زبائني خليط من نساء المدينة، وتجار قادمون من الخليل ونابلس. لاحقاً، يزورني صديقي التاجر صالح، ونشرب القهوة اليمنية المستوردة بينما نتحدث عن أحوال التجارة والقوافل، تماماً كما يفعل التجار اليوم في الأسواق التاريخية في بورصة.

عند الظهيرة، أغلق المحل لأصلي في الأقصى. وفي طريقي، ألتقي بصديقي المسيحي إلياس، الذي يعمل في ترميم كنيسة القيامة. رغم اختلاف عقائدنا، تجمعنا هوية واحدة كرعايا للدولة العثمانية.

الحياة اليومية للمقدسيين العثمانيين

يوم في حياة إلياس (مسيحي):

أنا إلياس، مسيحي أرثوذكسي عثماني. بعد الإفطار، أتوجه إلى كنيسة القيامة. عملي كنحّات حجارة يتطلب دقة وصبرًا، خاصة ونحن نرمم جزءاً من القبر المقدس. أتبادل الحديث باليونانية والعربية مع زملائي الحرفيين.

وقت الغداء، نجتمع لكسر الخبز معاً. نتذكر دائماً قدسية المكان الذي نعمل فيه. وفي المساء، وأنا عائد إلى حيّي، أسمع تداخل أجراس الكنائس مع صوت الأذان عند الغروب. سيمفونية يومية تذكرني بأن التسامح والتعايش هو ما يجعل هذه المدينة قابلة للحياة.

يوم في حياة ريبيكا (يهودية):

أنا ريبيكا. اليوم هو الجمعة، والتحضيرات للسبت (Shabbat) على قدم وساق. بعد خبز “الخالّة” (نوع من الخبز)، أذهب مع أطفالي. نتبادل التحيات مع جيراننا المسلمين والمسيحيين في الطريق؛ فنحن جميعاً رعايا عثمانيون نعيش تحت نفس القانون.

أثناء إعداد العشاء، أستخدم توابل اشتريتها من تاجر عثماني يوناني نقل تجارته بسهولة من إسطنبول إلى القدس بفضل وحدة الأراضي العثمانية. عندما أضيء شموع السبت، أتمتم بدعاء لسلامة السلطان الذي يوفر الحماية والأمن لنا في جميع أنحاء مملكته، بعيداً عن الاضطهاد الذي نسمع عنه في أوروبا.

موضوعات ذات صلة