السلطان عبد العزيز: المصلح الذي بنى ثالث أقوى أ...
0% 1 دقائق متبقية
السلطان عبد العزيز

السلطان عبد العزيز: المصلح الذي بنى ثالث أقوى أسطول في العالم وقُتل “بمقص”

1 دقيقة قراءة تم التحديث: يناير 5, 2026

يُعتبر السلطان عبد العزيز واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والإعجاب في الحقبة المتأخرة للإمبراطورية العثمانية. لم يكن مجرد حاكم يجلس خلف أسوار قصر توبكابي، بل كان ثائراً على التقاليد؛ فهو أول سلطان عثماني يكسر العزلة التاريخية ويقوم بزيارات دبلوماسية رسمية إلى قلب أوروبا ومصر، فاتحاً صفحة جديدة في العلاقات الدولية.

ولكن، بقدر ما كانت حياته صاخبة بالإنجازات، كانت نهايته مفجعة. فبعد أيام قليلة من خلعه، وُجد جثة هامدة في قصر فيريه (Feriye Sarayı). الرواية الرسمية قالت “انتحار”، لكن الشواهد التاريخية تصرخ بـ “مؤامرة”. هذا اللغز لم يدفن معه، بل ظل يطارد خلفه السلطان عبد الحميد الثاني لعقود، ولا يزال حتى اليوم مادة دسمة للمؤرخين والباحثين عن الحقيقة.

السلطان عبد العزيز، الإمبراطورية العثمانية

النسب العريق والعائلة

ينحدر السلطان عبد العزيز من سلالة آل عثمان العريقة، التي أرست قواعد حكم استمر لقرون، بدءاً من المؤسس عثمان غازي ووالده أرطغرل. لم يكن نسبه مجرد تسلسل أسماء، بل كان إرثاً ثقيلاً من الفتوحات والمجد:

هو ابن السلطان المجدد محمود الثاني، وحفيد عبد الحميد الأول. يمتد نسبه عبر سلاطين عظام مثل أحمد الثالث، ومحمد الرابع، وصولاً إلى القانوني والفاتح.

أما حياته الخاصة داخل “الحرملك”، فقد وثقتها السجلات التاريخية بدقة. تزوج السلطان من خمس نساء رئيسيات (قادين أفندي)، وأنجب ذرية لعبت أدواراً مختلفة في مستقبل العائلة:

  • درني ف قادين (Dürrünev Kadın): والدة ولي العهد يوسف عز الدين وسالحة سلطان.
  • أدا دل قادين (Edadil Kadın): والدة الأمير محمود جلال الدين والأميرة أمينة (التي توفيت صغيرة).
  • حيران دل قادين (Hayranidil Kadın): والدة آخر الخلفاء العثمانيين عبد المجيد الثاني وناظمة سلطان.
  • نشرك (نسرين) قادين: والدة الأمير محمد شوكت وأمينة سلطان.
  • جوهرية قادين (Gevheri Kadın): والدة أسماء سلطان.

النشأة: بين القرآن والموسيقى والمصارعة

وُلد السلطان عبد العزيز في 8 فبراير 1830 في إسطنبول، لأم شركسية هي السلطانة برتونهال. نشأته لم تكن تقليدية؛ فقد جمع بين المتناقضات ببراعة.

إلى جانب تعليمه الديني الصارم ومواظبته على تلاوة القرآن كل صباح، كان السلطان يتمتع بحس فني مرهف؛ فقد كان ملحناً موهوباً يؤلف قطعاً موسيقية تمزج بين الروح الشرقية والكلاسيكية الغربية، كما كان خطاطاً بارعاً. والمثير للاهتمام، أنه كان يمتلك بنية جسدية قوية وشغفاً بالمصارعة، ويُشاع أنه كان قادراً على ثني العملات المعدنية بأصابعه.

رسم تاريخي للسلطان عبد العزيز

سنوات الحكم (1861-1876): صراع البقاء والتحديث

اعتلى عبد العزيز العرش في زمن العواصف. كانت الإمبراطورية تغلي من الداخل، حيث واجه السلطان حركات تمرد في الجبل الأسود، واضطرابات في صربيا، وثورة في جزيرة كريت. ومع ذلك، لم يمنعه الضجيج السياسي من المضي قدماً في مشروع التحديث.

الإصلاحات الداخلية: ولادة القانون المدني

أبرز ما ميز عصره قانونياً هو بدء تدوين الفقه الإسلامي في شكل قانون مدني حديث عُرف بـ “مجلة الأحكام العدلية” (Mecelle). تحت إشراف أحمد جودت باشا، تم صياغة قانون مستمد من المذهب الحنفي ولكنه مبوّب على الطريقة الأوروبية الحديثة.

نظمت “المجلة” المعاملات المدنية كالبيع والإيجار والكفالة، وأصبحت الأساس الذي بنيت عليه القوانين المدنية في العديد من الدول العربية لاحقاً مثل الأردن والعراق وسوريا. هذا الإرث القانوني يذكرنا بأن تركيا كانت دائماً مركزاً للتطوير الإداري، وهو ما نراه اليوم في سهولة الإجراءات التجارية.

إذا كنت مهتماً بكيفية تطور التجارة من تلك الحقبة إلى اليوم، يمكنك الاطلاع على الدليل العملي للاستيراد من تركيا إلى أوروبا، حيث لا تزال القوانين التجارية التركية تلعب دوراً محورياً في التجارة العالمية.

الذكاء الدبلوماسي مع مصر وتونس

أدرك السلطان أن القوة ليست عسكرية فقط، بل دبلوماسية أيضاً. منح حاكم مصر، إسماعيل باشا، لقب “الخديوي”، موسعاً صلاحياته مقابل زيادة الجزية السنوية، مما وفر سيولة نقدية للخزينة. وفي تونس، عزز علاقاته مع الباي المحلي لقطع الطريق على الأطماع الفرنسية المتزايدة في شمال أفريقيا.

الخديوي إسماعيل حاكم مصر

البنية التحتية والتعليم: وجه إسطنبول الجديد

شهدت إسطنبول في عهده نقلة حضارية؛ تمددت خطوط السكك الحديدية وبدأ العمل في محطة “سيركجي” الشهيرة التي ربطت الشرق بالغرب. وفي عام 1863، أصدرت الدولة أول طوابع بريدية تحمل الطغراء السلطانية.

تعليمياً، كان تأسيس “ثانوية غلطة سراي” (Mekteb i Sultani) عام 1868 ثورة حقيقية، حيث قدمت تعليماً مختلطاً باللغتين التركية والفرنسية، فاتحة أبوابها للطلاب من مختلف الأديان والأعراق، لتخرج نخبة قادت تركيا الحديثة لاحقاً.

هوس البحرية: ثالث أقوى أسطول في العالم

كان السلطان عبد العزيز مسكوناً بحب البحر. لم يبخل بالمال لتحديث الأسطول؛ اشترى المدرعات الحديثة من أوروبا وطور الترسانة المحلية، حتى أصبح الأسطول العثماني في عهده ثالث أقوى أسطول في العالم، منافساً بريطانيا وفرنسا.

هذا الإرث البحري العظيم هو الأساس الذي قامت عليه صناعة السفن التركية اليوم. للتعرف على امتداد هذه القوة البحرية في العصر الحديث، يمكنك قراءة تقريرنا حول أفضل أحواض بناء السفن في تركيا لعام 2026، والتي تنافس عالمياً في صناعة اليخوت والسفن التجارية.

الكارثة المالية: ضريبة المجد

لكن المجد كان له ثمن باهظ. لتمويل الجيش والقصور والأسطول، غرقت الدولة في ديون خارجية بفوائد فاحشة. وصل الحال عام 1875 إلى أن نصف إيرادات الدولة كانت تذهب لسداد فوائد الديون فقط. اضطر السلطان لإعلان ما يشبه الإفلاس (قرار رمضان)، مخفضاً مدفوعات الفوائد إلى النصف، مما دمر سمعة الدولة في البورصات الأوروبية وعجل بنهايته.

صورة قريبة للسلطان عبد العزيز

الرحلات التاريخية: السلطان السائح

زيارة مصر (1863)

كانت رحلته إلى مصر بدعوة من الخديوي إسماعيل حدثاً استثنائياً. سافر على متن اليخت الملكي “السلطانية”، وانبهر في مصر بشبكة السكك الحديدية التي كانت، للمفارقة، أكثر تطوراً من نظيرتها في الأستانة آنذاك.

موكب السلطان عبد العزيز في مصر

الجولة الأوروبية الكبرى (1867)

في صيف 1867، استجاب السلطان لدعوة الإمبراطور نابليون الثالث لحضور المعرض العالمي في باريس، مصطحباً معه ولي العهد مراد والأمير عبد الحميد (السلطان عبد الحميد الثاني لاحقاً). كانت رحلة دبلوماسية من الطراز الرفيع:

  • فرنسا: استقبال أسطوري في باريس من نابليون الثالث.
  • بريطانيا: استضافته الملكة فيكتوريا في قصر باكنغهام، حيث استعرض الأسطول الملكي البريطاني، في رسالة قوة متبادلة.
  • بلجيكا وبروسيا: لقاءات مع الملك ليوبولد الثاني والملك فيلهلم الأول.
  • النمسا والمجر: ضيافة الإمبراطور فرانز جوزيف في فيينا.

كسرت هذه الرحلة حاجز العزلة النفسية بين العثمانيين والأوروبيين، وأظهرت انفتاح السلطان على الثقافة الغربية.

السلطان عبد العزيز في شوارع أوروبا
الملكة فيكتوريا تستقبل السلطان عبد العزيز

الانقلاب والنهاية

بحلول عام 1876، ضاق الخناق على السلطان. تحالفت القوى الإصلاحية بقيادة مدحت باشا ووزير الحربية حسين عوني باشا للإطاحة به. في ليلة 30 مايو 1876، حوصر قصر دولمة بهجة، وأُعلن خلع السلطان عبد العزيز وتنصيب ابن أخيه مراد الخامس. نُقل السلطان المخلوع أولاً إلى قصر توبكابي، ثم بطلب منه، إلى قصر فيريه.

لوحة تصور خلع السلطان عبد العزيز

لغز الموت: مقص الحلاقة أم خنجر الغدر؟

في 4 يونيو 1876، وقعت الفاجعة. وُجد السلطان غارقاً في دمائه بعد قطع شرايين معصميه. الرواية الرسمية للجنة التحقيق (التي سيطر عليها أعداؤه) زعمت أنه انتحر باستخدام “مقص” طلبه لتهذيب لحيته.

لم يصدق الشعب ولا العائلة هذه الرواية. كيف لمصارع مؤمن أن ينتحر بهذه الطريقة؟ تعززت نظرية الاغتيال السياسي خوفاً من عودته للعرش. وبعد سنوات، عندما تولى السلطان عبد الحميد الثاني زمام الأمور، أعاد فتح القضية في “محاكمة يلدز” الشهيرة (1881)، والتي انتهت بإدانة مدحت باشا وآخرين بتهمة القتل العمد. ورغم الجدل التاريخي المستمر، تبقى قصة السلطان عبد العزيز تذكيراً صارخاً بأن عروش السلاطين قد تكون أحياناً أخطر من ساحات المعارك.

التاريخ العثماني مليء بالقصص التي شكلت وجه تركيا الحالي. إذا كنت ترغب في استكشاف المزيد عن جذور هذه الإمبراطورية، فإن زيارة العاصمة الأولى للعثمانيين، بورصة، تعد تجربة لا تفوت. اقرأ دليلنا حول السياحة في بورصة وتجاربها الاستثنائية لتغوص أكثر في عمق التاريخ.

موضوعات ذات صلة