السلطان محمد الخامس “رشاد”: الشاعر ...
0% 1 دقائق متبقية
السلطان محمد الخامس العثماني السلطان محمد رشاد

السلطان محمد الخامس “رشاد”: الشاعر الذي شهد غروب الدولة العثمانية

1 دقيقة قراءة تم التحديث: كانون الثاني 3, 2026

السلطان محمد الخامس، المعروف شعبيًا وتاريخيًا باسم السلطان رشاد، لم يكن مجرد رقم في سلسلة سلاطين بني عثمان (الترتيب 35)، ولا مجرد الخليفة 114 للمسلمين. لقد كان رجلاً وضعه القدر في قلب العاصفة، ليعتلي العرش في واحدة من أكثر الفترات دموية وتعقيداً، مباشرة بعد خلع أخيه القوي السلطان عبد الحميد الثاني من قبل “تركيا الفتاة” في عام 1909.

استمرت فترة حكمه تسع سنوات عجاف، كانت كفيلة بتغيير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد. فمن شرفته في إسطنبول، شهد دخول الإمبراطورية في الحرب العالمية الأولى وهزيمتها المريرة، وضياع مساحات شاسعة من الأراضي. المثير للسخرية المؤلمة هنا، هو أن السلطان رشاد – رغم كونه رأس الدولة اسمياً – كانت خيوط اللعبة الفعلية تدار من خلف ظهره بواسطة “جمعية الاتحاد والترقي”.

محمد الخامس، السلطان العثماني محمد رشاد بزي التشريفات

شجرة العائلة والنسب العريق

ينحدر السلطان محمد الخامس من السلالة العثمانية التي حكمت لستة قرون. ولتوثيق هذا النسب التاريخي، يمكننا تتبع جذوره مباشرة كالتالي:

السلطان محمد الخامس رشاد، ابن عبد المجيد الأول، ابن محمود الثاني، ابن عبد الحميد الأول، ابن أحمد الثالث، ابن محمد الرابع، ابن إبراهيم الأول، ابن أحمد الأول، ابن محمد الثالث، ابن مراد الثالث، ابن سليم الثاني، ابن سليمان القانوني، ابن سليم الأول، ابن بايزيد الثاني، ابن محمد الفاتح، ابن مراد الثاني، ابن محمد الأول، ابن بايزيد الأول، ابن مراد الأول، ابن أورخان غازي، ابن عثمان غازي، ابن أرطغرل غازي.

على الصعيد الشخصي والإنساني، تزوج السلطان محمد الخامس من خمس نساء، وأنجب منهن ذرية شهدت نهاية مجد آبائهم:

  • كاموريس كادين: زوجته الأولى، وأم ابنه الأمير محمد ضياء الدين.
  • دور وادن كادين: الزوجة الثانية، ووالدة الأمير محمود نجم الدين.
  • مهرنجيز كادين: بعد وفاة الزوجة الثانية، أصبحت هي الثانية في الترتيب، وأنجبت الأمير عمر حلمي.
  • نازبرفر كادين: أنجب منها ابنته رفيعة سلطان، التي توفيت وهي رضيعة، في مأساة أثرت عليه كثيراً.
  • ديلفيريب كادين: زوجته الخامسة، ولم يرزق منها بأطفال.

وبينما نتحدث عن إرث العائلة العثمانية، لا يمكننا إغفال تأثير مطبخ القصر السلطاني الذي ما زال حاضراً في بيوتنا حتى اليوم، مثل وصفة دولمة الفلفل التركية (إيتلي بيبر دولما) التي كانت من الأطباق المفضلة في موائد إسطنبول القديمة.

السلطان محمد رشاد يسير وسط الحاشية

سنوات الظل: الحياة ما قبل السلطنة

وُلد محمد الخامس في 2 نوفمبر 1844 في قصر تشيراغان الفاخر بإسطنبول. ولكن، كما كان حال الأمراء العثمانيين في تلك الحقبة، لم تكن حياته نزهة في الحدائق. لقد قضى أكثر من 30 عاماً فيما يُعرف بـ “القفص” (Kafes)، وهي أجنحة معزولة في القصر يُحبس فيها الأمراء لضمان عدم انقلابهم على السلطان.

تخيل أن تعيش ثلاثة عقود في عزلة تامة! قضى تسع سنوات منها في حبس انفرادي صارم. في هذه العزلة، وجد رشاد ملاذه في الشعر الفارسي والأدب الصوفي، مما صقل شخصيته لتكون هادئة، متأملة، وميالة للفنون أكثر من ميلها لمكر السياسة ودهاليز الحكم.

لم يخرج إلى النور إلا بعد إعلان المشروطية الثانية عام 1908، حيث بدأ يظهر في المناسبات الرسمية بصفته “ولي العهد”، مستعداً لدور لم يسعَ إليه يوماً.

السلطان محمد رشاد في ريعان شبابه

سنوات الحكم (1909-1918): التاج الثقيل

عندما جلس السلطان رشاد على العرش في 27 أبريل 1909، كان يبلغ من العمر 64 عاماً، ليكون بذلك أكبر سلطان عثماني يتولى الحكم سناً في التاريخ. تسلم الحكم كملك دستوري، تاركاً السلطة التنفيذية وقرارات الحرب والسلم بيد القادة العسكريين والسياسيين في جمعية الاتحاد والترقي.

في خطابه الأول، حاول أن يصبغ عهده بصبغة الأمل قائلاً:

“أنا أول سلطان للحرية، وبهذا أنا فخور.”

كانت إحدى خطواته الرمزية الأولى هي مغادرة قصر يلدز – رمز الحكم المطلق لأخيه عبد الحميد – والانتقال إلى قصر دولمة بهجة على البوسفور. وفي محاولة لترميم شتات الدولة، قام بجولة تاريخية في يونيو 1911 شملت تراقيا وألبانيا ومقدونيا الحالية. هذه المناطق التي كانت يوماً قلب الدولة العثمانية في أوروبا، تذكرنا اليوم بأهمية الموقع الجغرافي لتركيا، والذي نناقشه باستفاضة في مقالنا حول أهم الموانئ التجارية في تركيا وكيف تحولت من ممرات عسكرية إلى شرايين اقتصادية.

الحرب العالمية الأولى وإعلان “الجهاد”

المفارقة الكبرى في حياة هذا السلطان المسالم هي أنه أُجبر على إشعال فتيل حرب عالمية. رغم معارضته الشخصية للحرب، قاد أنور باشا ورفاقه الدولة إلى تحالف مصيري مع ألمانيا والنمسا. وبصفته “خليفة المسلمين”، وجد السلطان رشاد نفسه مضطراً في 14 نوفمبر 1914 لإعلان “الجهاد المقدس” ضد الحلفاء، داعياً مسلمي العالم للثورة ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي.

السلطان محمد الخامس العثماني والقيصر الألماني

بلغ التحالف ذروته بزيارة القيصر الألماني فيلهلم الثاني إلى إسطنبول في 15 أكتوبر 1917. استقبله السلطان كحليف مخلص، لكن الصور البروتوكولية لم تستطع إخفاء الحقيقة المرة: الإمبراطورية كانت تتفتت. خسرت الدولة أراضيها في البلقان والشرق الأوسط بسرعة مذهلة.

الرحيل قبل السقوط الأخير

من رحمة القدر بالسلطان رشاد أنه لم يعش ليشهد توقيع هدنة مودروس المذلة أو سقوط إسطنبول تحت الاحتلال. توفي في 3 يوليو 1918 عن عمر يناهز 73 عاماً في قصر يلدز إثر قصور في القلب، قبل أشهر قليلة فقط من نهاية الحرب رسمياً. دُفن في منطقة أيوب التاريخية بإسطنبول، ليبقى بجوار الصحابي أبي أيوب الأنصاري.

بعد وفاته، انتقل العرش إلى أخيه الأصغر السلطان محمد السادس “وحيد الدين”، الذي كان عليه أن يتجرع الكأس حتى الثمالة ويشهد النهاية الرسمية للدولة العثمانية وقيام الجمهورية الحديثة. واليوم، بينما نراجع التاريخ، نجد أن الإرث العثماني لم يختفِ تماماً، بل تحول وتطور، وهو ما نراه في استمرار المؤسسات القانونية العريقة، كما نشرح في دليلنا حول النوتر والأبوستيل في تركيا، الذي يعد امتداداً لنظام التوثيق المحكم الذي أسسه العثمانيون.

موضوعات ذات صلة