يونس إيمره: الدرويش الذي جعل من التركية لغةً للعشق الإلهي
Table of Contents
تخيل الأناضول في القرن الثالث عشر: أرض تشتعل فيها النيران. جيوش المغول تكتسح السهول بلا رحمة، ودولة السلاجقة تنهار، بينما يطحن الفقر والخوف والحرب عامة الناس. وسط هذا الظلام الدامس، لم يرتفع صوت يدعو للانتقام، بل ارتفع صوت يدعو للحب. كان ذلك صوت يونس إيمره.
لم يكن يونس مجرد شاعر؛ بل كان “البلسم” لروح أمة جريحة. وفي حين كانت النخبة والمثقفون يتباهون بالحديث والكتابة بالفارسية، قام يونس بفعل ثوري: تحدث بالتركية. لقد أنزل التصوف من أبراج الفلاسفة العاجية إلى لغة الفلاحين والرعاة البسطاء. واليوم، بعد مرور أكثر من 700 عام، تبدو رسالته الإنسانية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

من هو يونس إيمره الإنسان؟
الحقائق التاريخية المؤكدة حول يونس إيمره نادرة، لكن المؤرخين يرجحون ولادته حوالي عام 1240 ميلادية. يُعتقد أنه ولد في قرية “صاريكوي” (Sarıköy)، التابعة اليوم لمنطقة “ميهالي تشيك” في ولاية إسكي شهير. جاءت حياته في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في التاريخ التركي: مرحلة المخاض العسير بين سقوط السلاجقة وقيام الدولة العثمانية.
على عكس شعراء البلاط الذين عاشوا في رفاهية القصور، كان يونس “ابن الشارع” والناس. جاب الأناضول وأذربيجان ووصل حتى دمشق كدرويش جوال. لكن رحلته الأهم لم تكن على الخريطة، بل كانت رحلة داخلية؛ فهو لم يبحث عن مجد دنيوي، بل عن الحقيقة الإلهية.
الأسطورة: القمح أم الـ “هِمة”؟
لفهم روح يونس إيمره، يجب أن نتجاوز التواريخ لندخل عالم الأساطير الصوفية. القصة الأشهر تروي لقاءه بالقطب الصوفي الحاج بكتاش ولي. في زمن قحط شديد، ذهب يونس الشاب إلى “التكية” (الدير الصوفي) يطلب القمح. عرض عليه الحاج بكتاش بدلاً من ذلك “نَفَسه” (البركة الروحية أو الـ “هِمة”). رفض يونس وأصر على القمح.
في طريق عودته، أدرك فداحة خطئه: القمح سيُؤكل وينفد، أما “النَفَس” الروحي فخالد. عاد مسرعاً، لكن الحاج بكتاش قال له إن مفتاحه قد سُلم لشيخ آخر هو تابدوك إيمره. ترمز هذه القصة إلى الانتقال من البحث عن البقاء المادي إلى النضوج الروحي. خدم يونس شيخه تابدوك لمدة 40 عاماً، يُقال إنه لم يحمل فيها إلى التكية سوى الحطب المستقيم تماماً، قائلاً جملته الشهيرة: “إلى هذا الباب لا يدخل حتى الخشب الأعوج”، في إشارة إلى استقامة النفس.
الثورة اللغوية: لماذا التركية؟
لعل السر الأعظم في خلود يونس إيمره يكمن في لغته. في القرن الثالث عشر، كان يُنظر للتركية بازدراء كلغة “خشنة” تصلح للفلاحين فقط، بينما كُتبت روائع الأدب بالفارسية (مثل مثنوي جلال الدين الرومي). كسر يونس هذه القاعدة. أثبت أن التركية قادرة على حمل أعمق المعاني الفلسفية والمفاهيم الصوفية المعقدة.
يُعرف أسلوبه بـ “السهل الممتنع” (Sehl i Mümteni)؛ تقرأه فتظن أنك قادر على كتابة مثله لبساطته، وحين تحاول، تكتشف استحالة ذلك لعمقه. لقد أخذ الغنى الثقافي للإسلام وجعله في متناول الجميع، تماماً كما نفعل اليوم عند استكشاف العطلات الرسمية في تركيا والمناسبات الوطنية، حيث نجد أن جذور هذه التقاليد تمتد لقرون من الحكمة الشعبية التي أرساها أمثال يونس.
روائعه الخالدة: الديوان ورسالة النُصح
ترك لنا يونس إيمره إرثاً يُدرس حتى اليوم في الجامعات والمساجد على حد سواء:
- الديوان (Divan): مجموعة قصائده المكتوبة بوزن المقاطع الصوتية (Hece Vezni)، وهو الوزن المستخدم في الموسيقى الشعبية التركية، مما سهل حفظها وتناقلها بين الناس كأناشيد للعشق الإلهي.
- رسالة النُصحية (Risâletü’n Nushiyye): كُتبت حوالي عام 1307، وهي قصيدة تعليمية منظمة. تتناول بجدية صراع الروح ضد “النفس الأمارة”. إنها تذكّرنا بالحكمة التي نجدها عند زيارة الأماكن التي تجمع بين الروحانية والطبيعة، مثل أماكن سياحية في سبانجا ومعشوقية، حيث يمتزج الصفاء الذهني بجمال الخلق.
التصوف: عقيدة الوحدة والحب
لم يكن التصوف عند يونس نظريات معقدة، بل ممارسة حية. يمكن تلخيص فلسفته في عبارته الشهيرة: “Yaratılanı hoş gör, Yaratandan ötürü” (أحِب المخلوق من أجل الخالق). كان يعلم أن الطريق إلى الله يمر حتماً عبر قلوب البشر، وأن “من يكسر قلباً، لا صلاة له” (بالمعنى الروحي).
كانت هذه الرسالة راديكالية في زمن الحروب الصليبية وهجمات المغول. دعا إلى السلام الاجتماعي والمساواة المطلقة بين البشر بغض النظر عن الدين أو العرق، محولاً آلام الناس إلى أمل.
وفاته وإرثه: قبر واحد لا يكفي
توفي يونس إيمره حوالي عام 1321 عن عمر ناهز الثمانين. ولكن إذا سألت في تركيا “أين يقع قبر يونس؟”، ستحصل على إجابات متعددة. هناك العديد من المدن التي تدعي احتضان رفاته، من إسكي شهير إلى كارامان وحتى أرضروم. هذا ليس تناقضاً تاريخياً بقدر ما هو دليل على الحب؛ فكل مدينة أرادت أن يكون “يونس” ملكاً لها.
اليوم، يُعتبر ضريحه في ميهالي تشيك (إسكي شهير) هو الموقع الرسمي. إذا كنت تخطط لزيارة ضريحه واستكشاف هذا الإرث العظيم، تأكد من معرفة تفاصيل التنقل وقوانين القيادة عبر مراجعة رخصة القيادة في تركيا 2026 لتكون رحلتك خالية من المتاعب. ومع ذلك، لو كان يونس حياً لقال: “قبري ليس في التراب، بل في قلوب العارفين.”








